دلالات الظهور الإلهي

تحتفل الكنيسة كل عام بعيد “الغطاس”، أو عيد “الظهور الإلهي” في التاسع عشر من يناير كل عام. وقد تسمى عيد الغطاس، لأن يسوع تغطس “تعمد” في نهر الأردن من يوحنا قبل بدء خدمته العلنيه. وسمى أيضاً عيد الظهور الإلهي لأن فيه ظهرت الأقانيم الثلاثة معاً, تكلم الآب من السماء بصوت معلناً أن يسوع هو ابنه الوحيد، وأثناء صعود “الابن يسوع” من ماء نهر الأردن نزل الروح القدس عليه مثل حمامة (مت3: 16). ويسميه الكلدان في “العراق” والموارنة والسريان “عيد الدنح” وهى كلمة سريانية، تعني الظهور والإعتلان والإشراق، وهى تعبر عن المعنى اللاهوتي لعيد الغطاس.
وقد شهد الآب أيضاً من السماء ليسوع “ابنه الوحيد” في ثلاث مناسبات مختلفة، أولاً تكلم بصوت مسموع فسمعه كل إنسان أثناء معموديته من يوحنا, وفيها عرّف الآب يوحنا المعمدان والجموع أن يسوع هو ابنه الوحيد المسرور به، حيث قال “أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ”.

ثانياً في حادثة التجلي وظهور موسي وإيليا مع يسوع, كان صوت الآب واضحاً أيضاً من السماء معلناً أن يسوع ابنه الوحيد المسرور به وموصياً تلاميذه بطرس ويعقوب ويوحنا الممثلين عن كل التلاميذ بالسمع والطاعة له (لو9: 35، مت: 17: 5).

ثالثاً كانت أمام كل الجموع حوله, فعندما أتى اليونانيين يريدون رؤية يسوع, فطلب يسوع ليتمجد اسم الآب, فأجابه الآب من السماء أنه يسوع مجده في كل حياته السابقه وسوف يمجده أيضاً “فَجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ:«مَجَّدْتُ، وَأُمَجِّدُ أَيْضًا!». (يو12: 28) فقد تمجد يسوع في حياته النقية, الخالية من الخطية, وفي الصليب والقيامة من الأموات والصعود إلى السماء.
حل واستقر الروح القدس علي يسوع مثل حمامة، وهي التى لم تجد لها مقر لتسكن وتستقر فيه منذ أربعة آلاف سنة عندما كانت ترف علي وجه المياه قبل الخلق لتلاحظ الخراب تمهيداً لقيام الله بالإعمار “وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ.” (تك1: 1، 2), لكنها حلت على يسوع ومسحته لبدء خدمته العلنيه, والتي تمت بعدما صام أربعين يوماً في البرية, حيث كان يجرب من إبليس, الذي انتصر عليه. ثم بدء خدمته العلنيه في وسط الجموع كارزاً بإقتراب ملكوت السماوات (مت4)، (لو4).

عندما آتى يسوع ليتعمد من يوحنا رفض معللاً رفضه بإنه هو المحتاج إلى المعمودية (مت 3: 14), ولكن يسوع أجابه قائلاً “اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ»” (مت3: 15). فما هو إكمال كل بر؟
1- ليكمل يسوع كل بر, يعني أن يشارك يسوع رجل الأوجاع ومختبر الحزن الخطاة في أوجاعهم، حيث سيأخذ مكانهم في تسديد عقوبة خطايهم (اش53: 3, 4) (عب2: 14،17، 18), فإنضم إلى المجموعة المنفصلة التائبة المنتظرة المسيا المحتاجة إلى الفداء, فليس معنى ذلك أنه محتاج إلى الفداء, ولكن هي الخطوة الأولية للوصول إلى الصليب. وهناك تمت معموديته الرهيبة التي أشار إليها بالقول “وَلِي صِبْغَةٌ أَصْطَبِغُهَا،” (أو معمودية أعتمد بها) وَكَيْفَ أَنْحَصِرُ حَتَّى تُكْمَلَ؟” (أو كم أنا محصور حتى تكمل هذه المعمودية) (لو12: 50), بوصول فائدة الخلاص إلى جميع الناس من أمم ويهود لأنه في هذا التوقيت كانت منحصرة في اليهود فقط .
2- ليكمل يسوع كل بر. فبواسطة معمودية يسوع فإنها تعطى صورة مسبقة للصليب الذي عن قريب سوف يوفي يسوع العدل الإلهي حقه, ويدخل مياه ظلمة الموت لكونه المخلص لكل الخطاة ويبررهم (رو5: 1).
3- ليكمل يسوع كل بر. ليظهر كمال يسوع ويعلن بنوته بشهادة ثلاثية, فبحسب الشريعة تكون الشهادة علي أي إنسان من شاهدين إلى ثلاثة شهود (تث19: 15), فالشهادة الأولى كانت شهادة يوحنا المعمدان أن المسيح لا يحتاج إلى المعمودية لكنه هو المحتاج إليها (مت3: 14), والشهادة الثانية إنفتاح السماء ونزول الروح القدس عليه مثل حمامة ( مت 3: 16), والشهادة الثالثة تقرير من السماء برضا الآب الكامل عن المسيح لطاعته وكماله المطلق وعلامة الرضا والسرور (مت3: 17).
4- ليكمل يسوع كل بر. ليستعلن يسوع لإسرائيل, قال يوحنا إن الآب الذي أرسله ليعمد عرفه كيف يتعرف علي يسوع من خلال نزول الروح عليه (يو 1: 33، 34), فلم تكن معمودية يوحنا لتهيئة الأمة لقدوم المسيا فقط بل لتعريفهم به (يو1: 35 ،36).
5- ليكمل كل بر. تعني مسحته بالروح القدس بصفته ابن الإنسان والتكريس للخدمة الجهرية والبدء فيها (مت 3: 16), تحقيقا لنبوة إشعياء النبي عن الروح القدس الذي يحل علي من يخرج من جذع يسى الذي هو المسيح ومن تتبعنا لنسل المسيح في (مت1: 6) نجد نسب المسيح إلى داود ابن يسى “وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ، 2وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ.” (اش11: 1، 2).

أترككم فى ملء البركة والسلام.

الدكتور القس ماهر فضل الله/ ماجستير مشورة نفسية وراعى بمجمع كنائس النعمة