تغير مناخي جديد يقلق شركات الطاقة العملاقة

يُمثل الهاتف الذكي “آيفون” (iPhone) بصغر حجمه تجسيداً للعولمة بسلاسل توريده التي يُضرب بها المثل، وتمتد عبر المحيط من كاليفورنيا إلى الصين.
على الجانب الآخر تقف السفينة الهجومية البرمائية الأمريكية “يو إس إس كيرسارج” التي تزن 41 ألف طن في منطقة الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية، وتضم بعض المصائد المهمة مثل مضيق هرمز، والمياه الإقليمية قبالة سواحل اليمن والقرن الإفريقي.
ويمثل النفط سلسلة التوريد العالمية الأصلية، التي تُجسد اتفاقية التجارة الحرة التي وُقعّت نهاية الحرب العالمية الثانية وتحميها القوة البحرية الأمريكية، فالنفط هو ما يُحرك التجارة ويعتمد عليها ويدعم جانبيها الاقتصادي والجيوسياسي.
ومع ذلك، صار هذا العنصر الأساسي المتمثل في إشراف الولايات المتحدة ورعايتها موضع شك حالياً، كما ذكرت في مقالٍ سابق؛ فبعد ما يقرب من 50 عاماً على مساعي الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون لاستقطاب الصين إلى النظام العالمي، ها هي الإدارة الأمريكية الحالية تشتبك في مناورات مع بكين تُنذر بقرب اندلاع حرب تجارية شاملة.
ويبدو أنَّ الاتجاه القائم منذ فترة طويلة والمتزايد باستمرار نحو العولمة مدعوماً بمشاركة الولايات المتحدة قد توقف فجأة، ليأتي الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في مؤتمر للطاقة عُقد مؤخراً في هيوستن ويشير إلى الدخول في حُقبة “تصدع” الحرية.
ويا للمصادفة! فقد أدرجت الشركة العملاقة في مجال النفط “بريتش بتروليوم” بدورها سيناريو “أقل عولمة” في الإصدار الأخير من كُتيبها السنوي للتوقعات بعيدة المدى لقطاع الطاقة “إينرجي أوتلوك”، ينتهي بانخفاض استهلاك الطاقة المتوقع بوجه عام في ظل تدهور النمو الاقتصادي.
يتم تداول أكثر من ثُلثي النفط المُستهلك في الوقت الراهن عبر الحدود، نصف هذه الكمية تقريباً تُنقل على ظهر الناقلات. ولولا فترة السلام الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية، لكان من المستبعد للغاية أن يزداد الطلب العالمي على النفط بمعدل عشرة أضعاف كما حدث خلال العقود السبعة الماضية، وازدادت تبعاً لذلك المخاوف المتعلقة بأمن الطاقة، وارتفع بدل المخاطر على الطاقة المتداولة.
ويظهر هذا الأثر بوضوح في الغاز الطبيعي الذي يفترض أن تستمر مكاسب الحصة السوقية وازدهار الشحنات المسيّلة في تعزيز تجارته، ولكن في ظل سيناريو “العولمة الأقل”، يتوقع أن يقل الطلب على الغاز الطبيعي عام 2040 عن التوقعات المركزية التي وضعتها شركة “بريتش بتروليوم” بنحو 10 مليارات متر مكعب في اليوم؛ بما يتجاوز ضعف الطلب الحالي من أمريكا الجنوبية، بل ويفوق بعض الشيء سيناريو “التحوّل السريع” الذي وضعته الشركة، والذي تنخفض فيه الانبعاثات الكربونية، وبالتالي ينخفض الطلب على الوقود الأحفوري، بسرعة أكبر.
هل بدأت الحرب التجارية؟تأثر الطلب على جميع أنواع الوقود الأحفوري في عالم التجارة الضيق الذي رسمته شركة “بريتش بتروليوم”، لكن الغاز الطبيعي كان أكثرها تأثراً بسيناريو تسريع عملية تقليل انبعاثات الكربون.
من المتوقع أن يؤدي الغاز الطبيعي إلى تناقص الحصة السوقية للفحم، وإن كان مدى حدة ذلك التأثير لا يزال مطروحاً للنقاش حتى الآن. وبحسب التوقعات المركزية لشركة “بريتش بتروليوم”، تشكّل حصة الصين من الزيادة في الطلب على الغاز الطبيعي بحلول عام 2040 الربع تقريباً، وهي أكبر حصة لدولة على الإطلاق، مما يؤدي إلى أكبر انخفاض متوقع في استهلاك الفحم.
ويتوقع رغم ذلك، أن يأتي نصف ذلك الغاز الإضافي من الواردات، إلا أن شحنات الغاز الطبيعي المُسال تجد صعوبة بالغة في التنافس مع الفحم على الأسعار وحدها في قارة آسيا، الأمر الذي تلعب تعليمات معايير جودة الهواء دوراً بارزاً فيه، دون أن يساعد في ذلك وجود بدل للمخاطر مرتبط بأمن سلسلة الإمداد.
وكان نائب رئيس شركة البترول الوطنية الصينية قد صرّح بأن تخفيف الاعتماد على الواردات من الطاقة أمر تعتبره بكين أولوية قصوى، وذلك خلال خطاب ألقاه في المؤتمر الصناعي ذاته الذي تحدّث فيه وزير الخارجية الأمريكي بفخر عن دعم أمريكا لصادرات الطاقة.
ويعقد ذلك الأمور بالنسبة لمطوّري مشاريع الغاز الطبيعي المسال، ولا سيما أنَّ مشاريع التصدير في الولايات المتحدة تشكل ما يزيد على ثُلث الطاقات الإنتاجية الجديدة “مرتفعة الإمكانيات”، مع وجود منشآت جديدة من المرجح أن تدخل حيز التشغيل بحلول عام 2030 وفقاً لتحليل نشره مؤخرًا مركز دراسة آثار الطاقة التابع لمجموعة “بوسطن” الاستشارية.
تبدو مثل هذه المشاريع ضرورية، ليس فقط للمساعدة في التعامل مع وفرة الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة، ولكن أيضاً لمعالجة العجز المحتمل في الإمدادات العالمية، المتوقع ظهوره في عشرينيات القرن الحادي والعشرين.
من الناحية الأخرى، تبدو الطاقة المتجددة أكثر مقاومةً للنزاعات التجارية وفقًا لسيناريو “بريتش بتروليوم”؛ إذ من المتوقع أن تشهد زيادة هامشية في الاستهلاك مقارنة بالحل عند بداية الطلب عليها. ولا غرابة في ذلك، فمن الطبيعي أن يأتي بدل المخاطر على أنواع الوقود المتداولة في صالح الطاقة المُنتجة محلياً (يلاحظ مثلاً أنَّ الطاقة المائية والطاقة النووية غير قابلتين للنقل أيضًا).
يُعد هذا الأمر منطقياً من وجهة النظر الاستراتيجية أيضاً، إذ لا يمكن للموردين من بلدان غير مستقرة قطع إمداداتهم من الطاقة “المُصنّعة” محلياً. كل ذلك يدفع الصين أكثر إلى الاستثمار في تكنولوجيا الطاقة المتجددة والبطاريات والسيارات الكهربائية، مثلما استثمرت في حاملات الطائرات.
الاعتماد على الوقود الأحفوري يُعد اعتماد الصين الضمني على واردات النفط والغاز الطبيعي أعلى بالفعل مما سجلته الولايات المتحدة على الإطلاق، ومن المتوقع له أن يواصل الارتفاع.