يا تزرعوه.. يا تأجروه..!

بقلم| سوسن الشافعي (عضو الحزب الليبرالي الكندي ومنظمة العفو الدولية)

خیط حریر مسلسل مثیر وعمل متكامل فنیا إلا أنه قد سقط بفخ علمي كان من الممكن التغاضي عنه وغض الطرف في حال لم یحدث هذا التحول المادي والاجتماعي الرهیب في حیاة مسك بطلة المسلسل والتي تعرضت لمأساة ضد الإنسانیة ومكیدة بشعة أودت إلى استئصال رحمها بعد ثقب في الرحم في عملیة “كحت” لإجهاضها دون علمها وبالطبع هذا الحادث المروع یعد بدون منافسة أقسى عذاب وتنكیل ینال المرأة وخاصة في هذه السن الصغیرة.

والأمر الأشد استفزازا أنها لم یسبق لها الإنجاب قط وكان هذا هو أول حمل لها وبتخطیط ومكیدة فهو تدمیر لحیاتها ویعد شیئا لا یعوض لها كمسك الفتاة العصامیة بنت الطبقة المتوسطة البسیطة المستورة بالكاد في بیت أهلها.

أما بعد أن يصر المؤلف والكاتب على أنها أزمة لا حل ولا تعويض لها وفقد بلا إمكانیة للإصلاح، بعد تلك النقلة الهائلة التي حدثت في حياة مسك وهذا الثراء الفاحش الذي صارت عليه وحصولها على الجنسیة الكندیة واستقرارها لفترة بالخارج حیث تعد هذه العملیة متاحة فهذا ما لا یجب تمریره مرور الكرام لیس انتقادا للمسلسل الرائع الذي أتابعه أنا شخصیا عن كثب وبشغف ولكن لإیقاظ الناس من غفلتهم عن كثیر من الأمور التي تمس المرأة فالمرأة هي ما تعنیني ، لیس فقط كامرأة وكناشطة نسویة حقوقیة معنیة بكل ما یخص المرأة المضطهدة والمتضررة وكوني صوت من لا صوت لها لمساعدتها على التعافي من رثاء النفس والشعور المضني بالفقد والظلم والقهر والاضطهاد والعنف ضد المرأة بالإضافة إلى شغفي السابق منذ نعومة أظافري بالقراءة والإطلاع على المستجدات العلمیة والأدبیة.

فقد بدأت متابعتي لتلك القضیة منذ عام ٢٠٠٦ حیث كانت قد بدت بعض بوادر الأمل في أن تثمر النتائج التي أجریت على الفئران والأرانب والقردة بصدد زراعة الرحم Womb transplantation والتي كانت ثورة علمیة في علاج العقم والتي كانت تعد ضربا من ضروب الخیال العلمي والتي كانت تدفع الكثیرعند إثارة طرحها على اتهام من یطرحها بالجنون وهو دیدن البشر منذ فجر التاریخ فالإنسان عدو ما یجهل والجاهل عدو نفسه فمثلا حینما تمت أول محاولة لنقل الدم على ید الطبیب الفرنسي جان باتیست دینیس عام ١٦٦٧ والذي نقل بضعا من دم حمل إلى إنسان شاحب ومن قبله قام البروفیسور الانجلیزي ریتشارد لوار بنقل دم من كلب لآخر عام ١٦٦٥ وكان الملهم لهما الأسطورة الأدبیة الأودیسة مما یزكي دور الأدب في إلهام العلماء والتكامل بین الأدب والعلم وعدم استغناء أحدهما عن الآخر وكعادة القائمین على الأدیان فهم ینصبون من أنفسهم الإله فقد قامت الكنیسة آنذاك بمنع نقل الدم تماما لفترة كبیرة ضاربین عرض الحائط بقول السید المسیح ” إنما جعل السبت لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت” فالدین إن لم یكن في خدمة الإنسان وسخر الإنسان لخدمته فهو ضد الإنسانیة.

وهو نفس ما قام به الحاخامات الیهود حینما تم اكتشاف وسیلة لإنقاذ حیاة البشر بزراعة قلب خنزیر وما قابله المتضررین منهم من تحریم هذا الإجراء وكذلك منع شهود یهوه حتى یومنا هذا التبرع بالدم والتبرع بالأعضاء وهو نفس ما تقوم به المؤسسات الدینیة الظلامیة المحسوبة زورا على الإسلام من تحریم نقل الأعضاء في عصرنا الحدیث والوقوف في وجه العدید من الإجراءات الطبیة في خدمة الإنسانیة مطیحین بالقرآن الكریم “ومن أحیاها فكأنما أحیا الناس جمیعا” ……إلخ.

ولعلها من سخریة القدر أن أول من أنجز هذا الإنقلاب العلمي في طب النساء ومن كانت الرائدة وذات السبق في هذه الثورة العلمیة عام ٢٠٠٠ هي الطبیبة العالمة التي قوبلت بالهجوم من مجتمعها آنذاك للأسف ولاقت جزاء سنمار على حسن صنیعها للبشریة وهي د. وفاء فقیه والتي یتألق اسمها في جمیع الموسوعات والمراجع العلمیة العالمیة ولكن مجتمعاتنا كعادتها لا تقدر عبقریة وتمیز بناتها وهذا أیضا شأن نسوي حقوقي آخر سأقوم بطرحه في مبحث مستقل لاحقا.

فقد قامت د. وفاء فقیه بأول زراعة رحم بالعالم في المملكة العربیة السعودیة من متبرعة حیة لسیدة فقدت رحمها وتمت العملیة بنجاح وأنتج الرحم دورتین وبقي لمدة ٩٩ یوما إلا أنه لسوء الحظ حدثت مضاعفات له واضطروا لاستئصاله مجددا ولكنها كانت بادرة الأمل الحقیقیة الأولى لملایین السیدات العقیمات والتي فتحت آفاق أطباء العالم نحو إمكانیة نجاح زراعة الرحم فیما بعد بجدیة ومن ثم نجح الطبیب التركي البروفیسور بأنتالیا جامعة أكدِنیز التركیة عمر أوزكان في أغسطس عام ٢٠١١ في زراعة رحم ناجحة لمریضة تركیة تدعى “دِریا سِرت” المولودة بدون رحم وهي متلازمة مایر روكیتانسكي-كوستر-هاوزر Mayor-Rokastinsky-Küster-Hauser Syndrom.

وقد أثمرت زراعة الرحم عن الحمل للمرة الأولى في العالم وللأسف تم الإجهاض في الشهر الثاني من الحمل غیر أنها كانت الأمل الأول الكبیر الفعلي في إمكانیة إنتاج الرحم المزروع لحمل وهو ما دفع بالعدید من الأطباء لمعاودة الكرة ولكن باستخدام الروبوت الإنسان الآلي في العملیة فیما بعد وبالفعل تمت العملیة بنجاح فیما بعد بالسوید عام ٢٠١٤ على ید البروفیسور ماتس برانستورم والذي قام بعدها بتسع عملیات أسفرت عن ٥ ولادات ناجحة ومن بعد السوید أجرتها أمریكا ومن ثم الهند والصین وتشیك والبرازیل وإیطالیا وألمانیا ……..إلخ.

والعدید من الدول بنجاح وقد تمت بحمد اﷲ بنجاح منقطع النظیر كأول تجربة رائدة في الشرق الأوسط وفي عالمنا العربي في لبنان لسیدة أردنیة تدعى رهام شحادة اكتشفت أنها برحم طفولي في عمر ١٧ عام وقد تبرعت لها والدتها برحمها بنجاح وتم الحمل والإنجاب بسلامة ورزقت بابنتها “آیة” على ید الطبیب اللبناني د. توفیق نكد وهي الآن حامل للمرة الثانیة بفضل اﷲ وجدید بالذكر أن امرأة من كل ٥٠٠٠ ” Tuberculosis of the uterusنساء تولد بدون رحم ناهیك عن الرحم الطفولي ومتلازمة “روكیتانسكي ” و ” سل الرحم.

هذا بالإضافة لاستئصال الرحم سواء بسبب أورام سرطانیة أو لیفیة أو نزیف حاد أو إثر الإجهاض أو التعرض للحوادث وغیرها من المسببات وإنه لمن دواعي سرورنا وفخرنا أن لبنان البلد العاشر في زراعة الرحم وما یزیدنا سؤددا أكثر أنه برغم أن بلادنا لم تحظ بهذا القدر من توزیع التكنولوجیا العالمیة التي تستخدم الروبوت في الجراحات مما یعطي إضافة أكثر لأیدي جراحینا البارعة والذكاء الطبي بالشرق الأوسط والدول العربیة حینما تتكاتف العزیمة مع الاجتهاد فالفیصل هو كفاءتهم ولیس فقط الأجهزة المتطورة والتكنولوجیا الحدیثة كالدول العظمى ومن شروط القیام بالعملیة التطابق الكامل بین المتبرعة والمتلقیة سواء أكانت من متبرعة حیة أو حدیثة الوفاة مع تلقي مثبطات المناعة لمنع رفض الرحم المزروع شأنه شأن أي عضو مزروع آخر.

كذلك یتم تأهیل المتلقیة بمنشطات التبویض ومن ثم تجمید الأجنة فحقنها جراحة قیصریة C-Section مجهریا فیما بعد في الرحم المزروع وتتم الولادة ب ومن المفرح أن السیدة دِریا التركیة أول من حملت من رحم مزروع وأجهضت والتي كانت الأمل في الحمل بالرحم المزروع قد حملت مجددا ووضعت بحمد اﷲ ولدا بعد ٢٨ أسبوعا من الحمل بنجاح في ٤ یونیو ٢٠٢یسعدنا أن نزف الخبر السار لكل متضررة من العقم أن استئصال الرحم لم یعد نهایة المطاف ولا وضع المرأة المبكر إجباریا بسن الیأس من الإنجاب كما یروج له وكأن إعلامنا وللأسف یعیش.

في كوكب آخر بمعزل عن العالم ویزید من یأس المرأة وقهرها ویؤثر سلبا على صحتها النفسیة وفرصها في الحیاة الطبیعیة كمثیلاتها من النساء. وللأسف هذا الجهل والتقصیر الإعلامي الطبي أودى بالعدید من المتضررات إلى المزید من الاكتئاب وفقدان الأمل في .الأمومة رغم قدرتهن المادیة والاجتماعیة على الخضوع لتلك العملیة وبالنسبة لغیر المتزوجة بإمكانها تجمید البویضات لحین الزواج وأنا كناشطة نسویة في منظمة Mee too منذ ٢٠١١ وأعلم بوجع المرأة HysterSisters ضحایا التحرش والاغتصاب وعضوة في موقع الأخوات المستأصلات للرحم الكندیة المتضررة من هذا الوضع تماما على مستوى العالم واللاتي كن یرفعن شعار Gone but unforgettable.

ولعل غیرتي على بنات جنسي وحرصي على حقوق المرأة وصحتهن الجسدیة والنفسیة كناشطة نسویة فأنا من أشد المتابعات ” لتطورات تلك الجراحة التعویضیة الأساسیة عن كثب منذ عام ٢٠٠٦ یوما بیوم والتي لم تكن الحل الأول كما یظن البعض-إلا أنه الأمثل والأكثر إشباعا للأمومة- لتلك المأساة “النسویة بل وُجد من قبلها حل “إعارة الأرحام حقن مجهري لبویضة الزوجة مستأصلة الرحم والملقحة بالحیوان المنوي للزوج بعد علاج تنشیط هرموني IVF بمعنى Surrogacy
مؤهل للتلقیح ومن ثم حقن الأجنة المجمدة في الوقت المناسب برحم المتبرعة بحمل الأجنة نیابة عن الأم البیولوجیة مستأصلة الرحم أو تلك التي ولدت بلا رحم من الأساس وقد بدأت هذه العملیة منذ عام ١٩٨٤ تقریبا ولا أحب إطلاق لفظ “تأجیر الأرحام” بل أفضل لفظ .”إعارة الأرحام” كنوع من التكافل الإنساني والمشاركة الوجدانیة.

كما أن هناك تجارب على أرحام صناعیة وقد تمت تجربتها على حمل بالفعل عام ٢٠١٩ ویتكون الرحم الاصطناعي، الذي یبدو وكأنه كیس بلاستیكي، من مشیمة بدیلة متصلة بالحبل السري وظیفتها إیصال الاوكسجین للجنین وإخراج ثاني أوكسید الكاربون، تماما مثلما یحصل مع الرحم الطبیعي ویعد الآن تجهیزه للتجربة على البشر.

ولعل البحث في مجال الخلایا الجذعیة والتجارب العلمیة یثمر قریبا عن إمكانیة تخلیق زراعة رحم ذاتي التخلیق أي استنبات الرحم من المرأة العقیمة ذاتها ویذكر العلماء أن هذا ربما یتم في غضون عشر سنوات وكما هو معلوم للقاصي والداني أن تلك العملیات لیست مدرجة تحت بند التأمین الصحي بأي دولة وتكلف الكثیر من المال وهذا هو العائق الوحید والأكبر في سبیل النساء العقیمات من الطبقة المتوسطة والطبقة الفقیرة برغم أن الصحة الإنجابیة أساس الصحة النفسیة والعقلیة وهي لیست رفاهیة بل هي من أولویات الحیاة للمرأة على وجه الخصوص وحق أصیل من حقوق المرأة لابد من حمایته والمطالبة بتیسیره على المتضررات وبرغم أنني لست من تلك الفئة المهووسة دینیا أو تلك التي تحصر اﷲ في مؤسسات دینیة سواء أكانت إسلامیة أو مسیحیة أو غیرها.

وأعزي لها السلطان على حیاة البشر ولا یعنیني ولا یلزمني إلا أن أمانة النقل تقتضي أن أنقل للقارئة التي تهتم بالشأن الدیني أن دار الإفتاء المصریة قد أفتت بجواز زراعة الرحم مادام من سیدة تخطت سن الإنجاب وأوجب أن تكون بویضات الزوجة نفسها ولیست .بویضات المتبرعة بالرحم وأولا وأخیرا لا كهنوت في الإسلام ولا ضرر ولا ضرار.

الجهل مدعاة الیأس وهناك أمل ما دام هناك علم فلا یأس مع العلم والعلم قائم ما دامت الحیاة.

أخبار ذات صلة