أحب اللعنة فأتته.!

بقلم| د. ق. ماهر فضل الله

كثرت الأقاويل قبل حدث نقل مومياوات الفراعنة من المتحف المصري إلى متحف الحضارة الجديد، عندما تزامن ذلك الحدث مع الكثير من الحوادث في مصر، بأن لعنة الفراعنة هي المتسبب لتلك الأحداث. فقد شهدت مصر عدة حوادث كثيرة ومتنوعة مأساوية، حيث تصادم قطارين في سوهاج، وجنوح سفينة الشحن العملاقة التابعة لبنما “إيفر جيفين” في قناة السويس، وحدوث حريق بنفق مدينة الزقازيق، وحريق في برج بحي المعادي، وحريق داخل منزل في مدينة سمالوط بمحافظة المنيا، وسقوط عقار في حي شرق القاهرة “جسر السويس”، وإنهيار سقالات عمود خرساني من جسر تحت الإنشاء بمنطقة المريوطية بالجيزة.

بداية اللعنات

يقدم الكتاب المقدس الرأي الصائب عن اللعنات والبركات والسبب والنتيجة والعلاج. أتت اللعنات الكبرى على البشرية التي خلقها الله _في أجمل صورة_ بسبب خطية آدم وحواء، حيث أعطوا أذان صماء لوصية الرب الإله وأذان مفتوحة للعدو “الحية”، وأكلا من الشجرة وانفتحت أعينهما وعرفا التمييز بين الخير والشر، لكن بدون قدرة على فعل الخير وتجنب الشر. فقال الرب الإله لآدم المسئول الأول عن الخطأ “مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ.” (تك3: 17)، ويفهم من هذا الموقف أن المسبب الأول للعنات هي الخطية التي هي “التعدي وعصيان وصايا الله”.

الإنسان يجلب اللعنة لنفسه

كما جلب “آدم” اللعنة على نفسه وكل البشرية أولاً، فهكذا اللعنات اللاحقة يجلبها الإنسان الخاطئ إلى نفسه ولا تأتي إليه من الخارج، فيقول الحكيم سليمان أن اللعنة لا تأتى بلا سبب (ام26: 2). وفي سفر التثنية قال الرب الإله للشعب “أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ. قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ” (تث30: 19). فأمام الإنسان الاختيار بإرادته الشخصية الحرة بين اللعنة والبركة!. ويدون الوحي المقدس في كلمة الله “الكتاب المقدس” إن أبناء “عالي الكاهن” هم من جلبوا على أنفسهم اللعنة (1صم3: 13) لإنهم كانوا بني “بليعال” أشرار لم يعرفا طريق الرب ولم يحترما مسؤوليات الكهنة تجاه الناس (1صم2: 12، 13). ويدون “داود” في المزمور نبوة عن يهوذا الخائن أن أيامه قليله ووظيفته يأخذها آخر (مز109: 8)؛ (إع1: 20)، ويسرد “داود” ويقول عنه إنه “أَحَبَّ اللَّعْنَةَ فَأَتَتْهُ، وَلَمْ يُسَرَّ بِالْبَرَكَةِ فَتَبَاعَدَتْ عَنْهُ.” (مز109: 17). ويصف كاتب المزمور حياة الشرير أن فمه مملوء لعنة وغش وظلم (مز10: 7). وأيضا لعنة الرب في بيت الأشرار الحائدين عن تنفيذ وصايا الله ولكن نجد بركة الله في مسكن الصديقين (أم3: 33). ويصف دانيال لعنة الرب لشعبه بالسبي لأنهم أخطأوا وتعدوا شريعته، وحادوا عن الطريق ولم يسمعوا صوته فاستحقوا اللعنة (دا9: 11).

يقول الرسول “يعقوب” عن المنافقين ممن يتكلمون في وسط الصالحين بكلمات بركة وفي وسط الأشرار بكلمات اللعنة محذراً إن هذا التصرف لا يصح أن يكون في فم الإنسان المؤمن (يع3: 10). وأيضاً يقول الرسول “بولس” إن فم الأشرار مملوء لعنة ومرارة (رو3: 14). ويوجه الرب رسالة إلى شعبه أنه لا يطيق التمثيل بصنع الإثم ثم النفاق بالعبادة وتقديم الذبائح (إش1: 13)، فليكن الكلام والتصرفات محددة بلغة واحدة إما كلمات لعنة أو بركة، لأن الله يرفض الزيف والنفاق وهو مُطلِع على الكل ومشاهد ومسجل لكل كلمة وتصرف “أنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّكَ لَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا. لَيْتَكَ كُنْتَ بَارِدًا أَوْ حَارًّا! هكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي.” (رؤ3: 15، 16)، وأيضاً الله لا يمكن خداعه أو الضحك عليه (غل6: 7) لأنه فاحص القلب ومختبر الكُلَى ويعطي كل واحد حسب طرقه (إر17: 10). وكل إنسان ينتج في حياته تصرفات شوك وحسك فهو مرفوض من الله ويجلب اللعنة على نفسه بإنهاء حياته في الجحيم (عب6: 8).

الرب يحول اللعنات إلى بركات

 حول الله اللعنة ضد شعبه القديم إلى بركات حين أستأجر “بالاق بن صفور” ملك موآب وقتئذ “بلعام الشرير” ليلعن إسرائيل (عد22، 23، 24)، وبعد حوار طويل ومشورات ذهب معهم وكلمه الرب بأن ينطق الكلمات التي يعطها له فصرح “بلعام” مباركاً إياهم للمرة الأولى “كَيْفَ أَلْعَنُ مَنْ لَمْ يَلْعَنْهُ اللهُ؟ وَكَيْفَ أَشْتِمُ مَنْ لَمْ يَشْتِمْهُ الرَّبُّ؟ إِنِّي مِنْ رَأْسِ الصُّخُورِ أَرَاهُ، وَمِنَ الآكَامِ أُبْصِرُهُ. هُوَذَا شَعْبٌ يَسْكُنُ وَحْدَهُ، وَبَيْنَ الشُّعُوبِ لاَ يُحْسَبُ.” (عد22: 9، 10). وهكذا تكلم “بلعام” بعدها ثلاث مرات أخرى مجبراً من الرب مباركاً الشعب (عد23: 19- 25)؛ (عد24: 5- 9)؛ (عد24: 17- 19). وكان هذا الموقف في ذكرى الشعب المعاصر للحدث فأعاده “موسي” على مسامعهم في سفر التثنية للتذكير (تث23: 5) وأعاده “نحميا” كتاريخ ليتذكره الشعب الراجع من السبي، وأيضاً يدون النبي “زكريا” أن الله يقول لشعبه الذي جلب اللعنة على نفسه بين الأمم “أنه سوف يخلصهم ويحولها إلى بركة” (زك8: 13).

التوبة تمحوا اللعنة

 عثر رجال “يوشيا” اللملك الصالح علي سفر الشريعة المفقود أثناء ترميم بيت الرب، وقُرِأ فيه أمامه ولما سمع الملك كلام الشريعة رق قلبه ومزق ثيابه وتواضع من أجل خطايا شعبه وأرسل بيد “حلقيا” الكاهن إلى “خلدة” النبيه ليكلموها، فقالت: أن الله جالب على الشعب كل كلام اللعنات الموجودة في السفر، وأما يوشيا لأنه صالح وقد مزق ثيابه تائباً فإن الله سوف يجعل اللعنات تأتى عليهم بعد موته (2مل22: 19، 20).

المسيح افتدانا من لعنة الناموس

يقول الرسول بولس أن الناموس يجلب لعنة (تث27: 26) على كل من يحاول إرضاء الله بأعمال الناموس والتي أثبتت فشل الإنسان كلياً وجزئياً في حفظها وجلبت لعنة على الإنسان (غل3: 10). لإنه لا يكفي حفظ الناموس ليوم أو شهر أو سنة، بل يجب أن يثبت الإنسان في حفظه، يجب أن يحفظه تمامًا. ولا يكفي فقط حفظ الوصايا العشر، بل ينبغي أيضًا حفظ فرائض موسى في الأسفار الخمسة بأكملها، وهي وصايا تتعدَّى الست مئة! والمسيح عندما كنا ضعفاء لا نقدر على كل هذه الوصايا مات في الوقت المعين (رو5: 6). وأيضاً لا يمكن لكل هذه الذبائح الحيوانية أن تنزع الخطايا (عب10: 11) بل هي كانت حل مؤقت إلى وقت مجيء المسيح (عب10: 1- 9)، فبدون سفك دم بديل تكون قيمته أكبر من كل الناس لا تحصل مغفرة (عب9: 22)، وبهذا صلب الرب علي الصليب وصنع الفداء حيث إفتدانا من لعنة الناموس حيث صار هو اللعنة من أجلنا (غل3: 13)

وفي الصليب حول الله لعنة “آدم” التي جلبها على الأرض إلي بركات لا مثيل لها، فقبل الخروج من الجنة وعد الرب بإيجاد طريقة وحل بهما يرجع “آدم” ونسله إليه مرة أخرى (تك3: 15) وألبسهما مؤقتاً جلد ذبيحة ذبحت نيابة عنهما (تك3: 21)، وفي ملء الزمان أتى “المسيح” ليصنع الفداء الكامل (غل4: 4)، وكل من يؤمن بفداء “المسيح” يرجع إلى الله بامتياز مختلف عن آدم الأول الذي كان عابد لله إلى الكنيسة اليوم التي هي جسد المسيح (أف1: 22، 23)؛ وعروسه (رؤ21: 9).

عزيزي القارئ.. احيانا كثيرة يجلب الإنسان على نفسه اللعنات، ولكن الخبر المفرح أن يسوع افتدانا بدمه وحمل عنا جميع اللعنات والخطايا..

أترككم فى ملء البركة والسلام.. وإلى اللقاء فى المقال القادم والذى يقدم لكم إجابات عن أسئلة محيرة تطارد الأذهان..