40 عام فى قصر فرعون.!

بقلم| د. ق. ماهر فضل الله

فى هذا المقال سنكمل سلسلة التلمذة حياة وهذا الجزء الثانى بعنوان: التدريب والانطلاق

لدي الله خطة لحياة كل المؤمنين بكل تفاصيلها ومنهاج للتلمذة منذ مولدهم “أَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا.” (اف2: 10). وهذه الخطة ليست جامدة بفكر مقيد لحياة الإنسان بل مرنة تحتاج إلى تجاوب المؤمن وفهمه لله وأموره ليستوعب الخطة ويعيش فيها، وأما عدم الفهم وعدم التجاوب تتأخر مسيرته ويبطء نموه ويبعد عن الخطة فيطول الزمان لكي يكتشفها ويسير فيها. ومن أهم أسباب تدريبات الله بخطته للمؤمن هي وصول المؤمن إلى حالة القداسة التي بحسب كلمة الله ليحيا ويمجد الله ثم ينطلق في خدمته مقدساً وفاهماً لكلمته.

تحتاج تعاليم التلمذة إلى مصدر إلهي نقي مستقيم، لتساعد التلميذ علي العيش بطريقة صحيحة، ولا يوجد غير الكتاب المقدس والكنيسة والمعلَم الأمين لتنطبق عليه تلك الشروط. فالكتاب المقدس بكامله هو وحي الله، ما يريد الله أن يعلنه للبشر، والكنيسة هي جسد المسيح، وتدبيره لخلاص الخطاه، والمعلَم مرسل من الله. فالوسيلة الأساسية لنمو المؤمنين الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، وهو الرئيسي والأهم في التلمذة.

التلمذة في العهد القديم

كان لبعض رجال الله في العهد القديم خطة تدريبه للتلمذة لفهم أمور الله من الله مباشرة والبعض الآخر من آخرين ساعدوهم في التلمذة قبل الانطلاق في الخدمة.

تدرب موسى علي يد الرب من خلال تدخلاته في حياته منذ مولده بعدة أمور وفي ثلاث مراحل هامة في حياته، بحسب التقسيمة التي أوضحها استفانوس في دفاعه عن نفسه أمام مجمع اليهود. (أع7: 20- 34) فكانت الـ 40 عام الأولى عاش في قصر فرعون، فكانت فترة هامة في حياته كرجل سوف يخدم الله فتعلّم تعليم ملكي مثل كل الأمراء في عصره، وتهّذب بكل حكمة المصريين وكان قديرًا في الأقوال والأفعال (اع7: 22) فالتلميذ لابد أن يهتم بالتعليم العالمي ولا يكتفي منه بل ينطلق حتى مستوى الدكتوراة، فهو تدريب جيد لفهم العالم الذي يخدم فيه فيفتح أمامه مجالات عديدة لمعرفة أمور العالم، وأيضا باب كرازة جيد بسلوك القداسة أمام عالم شرير. والـ 40 عام الثانية في البريّة متدربًا علي يد الرب أخذه الرب في خلوة تدريبيه لمدة أربعون عام أخرى في البرية عندما حامى عن أحد العبرانيّين المتشاجر مع المصري فقتله وهرب عندما عرف أن فرعون سمع وعرف بالأمر (خر2: 27) وفي هذه الفُترة تغير موسى وتدرب من الله علي تحمل الصعاب في قسوة البرية وعلى الرعاية في رعاية الغنم وعندما تزوج وكون أسرة وأنجب أولاد، ليتعلم من الله تعليمًا خاصًا في مدرسة خاصة بدرس خصوصي. فأنساه الله كل حكمة المصريين ليؤمن بحكمة الرب ليعرف كيف يقود شعبه (خر2: 15- 25)، والـ 40 عام الأخيرة بعد عمر الـ 80 عام في طاعة الرب يخدم الرب بقيادة عظيمة بخروج شعب إسرائيل من أرض مصر حتى مات في عمر الـ 120 عام.

موسي يتلمذ يشوع

  كان موسي يدرب ويتلمذ يشوع بن نون مبكرًا فقد كان رفيقًا له من الصغر (عد11: 28) وقام موسي بذلك بخمس طرق:

  1. درب موسي يشوع كمحارب أمام الأعداء فكان ذلك أولاً أمام عماليق (خر17: 9، 10) وأوصاه بكتابة ذكر الحرب مع عماليق في كتاب لتكون في ذاكرة يشوع دائماً لنمو إيمانه وحفظه من الشك (خر17: 14) وهنا يسأل معترض، لماذا حارب الشعب القديم أبناء عمومهم عماليق؟ وتأتي الإجابة أن شعب إسرائيل لم يحارب عماليق لكن عماليق هو الذي بدأ بالهجوم لمحاربة إسرائيل بلا رحمة “وَأَتَى عَمَالِيقُ وَحَارَبَ إِسْرَائِيلَ فِي رَفِيدِيمَ.” (يش 17: 8)
  2. كان مع موسي رفيقًا دائمًا في كل التحركات ففي الصعود على الجبل ليأخذ لوحي الشريعة من الرب كان معه، وعندما رجع الشيوخ السبعون بعدما رأوا مجد الرب علي الجبل (خر24: 9- 14)
  3. كان من ضمن الأثنى عشر جاسوساً الذين أرسلهم موسي لتجسّس أرض كنعان (عد13: 1- 16) “مِنْ سِبْطِ أَفْرَايِمَ هُوشَعُ بْنُ نُونَ…. وَدَعَا مُوسَى هُوشَعَ بْنَ نُونَ «يَشُوعَ».” (عد13: 8، 16) وأعطي تقريرًا مع كالب يعبّر عن إيمانهم، بقدرة الرب علي تخطّي كل صعاب، وإعطائهم الأرض، برغم قوة الشعب سكان الأرض إن سُرَّ بهم نتيجة إيمانهم. (عد14: 5- 9)
  4. دعم الخلافة، لم يخلف يشوع موسى تلقائياً، بعد موت موسى بل كانت هنالك ترتيبات هامة لدعمة وتأييد قيادته.

أولاً: الرب يأمر موسى بمسح يشوع، الرجل الذي فيه روح الله، بوضع اليد عليه ليخلفه، وليدخل بالشعب الأرض وتقسيمها لهم. (عد 27: 18)

تانياً: أوقفه قدم ألعازر والجماعة بحسب أمر الرب ليؤكد لهم بأن يشوع خليفته. (عد 27: 22) ثالثاً: أمر الرب بأن يرأس فريق تقسيّم الأرض للأسباط مع ألعازر الكاهن ورئيس واحد من كل سبط (عد 34: 17، 18)؛ (تث31: 3، 7)

تلاميذ بني الأنبياء:

   كما كان موسى يعد يشوع ليخلفه فهكذا كان كثير من الأنبياء في العهد القديم يعدون تلاميذاً لهم ليكملوا مسيرتهم، فذكرت عبارة بنى الأنبياء ومرادفاتها كثيرًا في العهد القديم. وتذكر عبارة بني الأنبياء بكثرة في العهد القديم وهي مرتبطة بعصري إيليا، وإليشع في سفري الملوك الأول والثاني فقط. والعبارة تدل على أنهم أعضاء طائفة أو جماعة من الأنبياء ولا تشير إلى أنهم من سلالة نبي بالولادة البشرية، وهذه الجماعات: تلاميذ بنى الأنبياء:

 1- في بيت إيل (2مل 2: 3).

2- في أريحا (2مل 2: 5).

3- في الجلجال (2مل 4: 38).

4-في جبل إفرايم (2مل 5: 22).

وكانوا يخضعون لنبي واحد، كانوا يدعونه “سيدهم” (2مل 2 :3و 5). وعند موته كان يخلفه أحد أعضاء الجماعة (كما حدث في أمر إيليا وإليشع)، بموافقة جميع الأعضاء. وكان اختبار النبي الجديد هو أن يكون له نفس قوة النبي القديم (2مل 2: 8؛ 18)، وأن يكون قد حل عليه من نفس روح السيد القديم (2 :15).

وكانوا يعيشون معاً في حياة تقشف وبساطة، فقد بنوا لأنفسهم أماكن للإقامة فيها (2مل 6: 1 ــ 4)، وكانوا يأكلون من طعام واحد (2مل4: 38-44)، وكان البعض منهم متزوجاً (2مل 4: 1 ــ 7)، وكانوا يؤدون عملهم بأمر السيد (2مل 4: 38، 9: 13)، وكثيراً ما كانوا يلتمسون موافقته قبل عمل أي شيء (2: 16ــ 18، 6: 1ــ 4)، ولكن كان يمكنهم أن يتصرفوا من ذواتهم (امل 20: 35).

ومع أن عبارة “بني الأنبياء” لا تذكر بنصها في غير هذه الأماكن، إلا أن هناك بعض العبارات التي قد تشير إلى نفس المفهوم، فنقرأ عن “زمرة من الأنبياء” (اصم 10: 5)، “جماعة من الأنبياء” (اصم 19: 20).

كما نقرأ عن مئة “نبي” من أنبياء الرب، خبّأهم عوبديا من وجه إيزابل (امل 18: 4). وأيضا نقرأ عن “الأنبياء” بصيغة الجماعة في (2مل 23: 2)؛ (إرميا 26: 7، 8، 11).

أترككم فى ملء البركة والسلام.

الدكتور القس ماهر فضل الله/ ماجستير مشورة نفسية وراعى بمجمع كنائس النعمة