القس ماهر فضل الله يكتب: الصوم المقدس والصوم المزيف

يمارس الكثيرين من المسيحيين الصوم تلقائياً لأنهم في وسط جماعة تقدس الصوم، وهذا امر جميل لكن الأجمل فهم المعنى الصحيح للصوم، كما قدمه الكتاب المقدس في العهد القديم والجديد، وعاشه وعلمه رجال الله القديسون على مر الأجيال. ولكي نصل الي تصور صحيح أقدم أولاً كيف صدق الرب يسوع علي العهد القديم، والذي منه نبدأ تعاليم الصوم، وبه يكمل كل تعاليم العهد الجديد.

في أثناء كرازة الرب يسوع في أيام تجسده، صحّح كثيراً من التعاليم الخاطئة لليهود. لأن معلميهم قد أضافوا إلى التوراة كثيراً من الشروحات الطويلة جداً، والعديدة المقيّدة للحياة بصفة عامة لم يأمر بها الله وكتبوها في “التلمود والمشناه”. فقدم أولاً أساس ملكوته الجديد المختلف والمناقض لما قدموه، فعرّف أولاً أن رعايا الملكوت بأنهم ملح ونور للعالم، ليقودوا الناس إلى معرفة الله (مت6: 13- 16). وقدّم نفسه بأنه هو الآتي متممًا للناموس، ولم ينقضه (مت5: 17). بل ما نقضه في كرازته هو تعاليم معلميهم في شروحاتهم التي لا تطابق الناموس بل تقيّدها وهي مخالفه لوصايا الله. (مت15: 2)؛ (مر7: 3- 5) وكان يسوع متمتا للناموس بثلاث أفعال.

أولاً وجود يسوع وسطهم متمماً لكل الأنبياء الذين تنبأوا عنه، فكان حضوره خاتمة طُرق الله ومُعاملاته مع إسرائيل وكل البشرية. ويوضح المثل الوارد في (مت 33:21-44) أن الوارث قد حضر إليهم وفي وسطهم، ومن يرفضه فليس له بعد إلا الدينونة.

ثانياً كشف عمق التعاليم وليس السطحية، فالموعظة على الجبل لا تؤيّد الناموس فقط، أيضا بل توسّعه وتعمقه.

ثالثاً قدمّ التطبيق الروحي للناموس المعطي حياة وليس الحرفي المميت، فشفي المرأة المنحنية في يوم السبت، ودافع عن تصرفه أمام نفاق اليهود من قادتهم وكتبتهم والفريسيون، ليعلّمهم بأنهم مهتمون بالحيوانات في الأكل والشرب في يوم السبت! ولا يهتمون برحمة الإنسان الأهم! (لو13: 15) ووصفهم بالمرائين، لأنهم يعملون للتحرك في الأزمات لحلها في يوم السبت لعدم الخسارة الشخصية، واعطي مثلاً عندما يسقط حمار أو ثور أحدهما في بئر أفلا ينتشله، فلماذا يحتجون على شفاء إنسان محتاج أهم من الحيوانات! (لو14: 5). ومدح الرب تصرف داود حين جاع، فأكل من خبز الكهنة ” الَّذِي لاَ يَحِلُّ أَكْلُهُ إِلاَّ لِلْكَهَنَةِ فَقَطْ»، عندما اعترض الكهنة على أكل التلاميذ لسنابل القمح من الحقل في يوم السبت (لو6: 3).

  للصوم فوائد متعددة في حياة الانسان المسيحي الصالح، روحياً وجسدياً ونفسيا. والكتاب المقدس في مواضع عديدة ومناسبات كثيرة يحث على الصوم، لأنه وصيه وأمر إلهي. يجب أن تنفذ بفهم وأدراك والكيفية التي يصوم بها، لأنه أحدي مظاهر النمو الروحي المتعددة المواظبة على الصوم المقترن بالصلاة ودراسة الكتاب المقدس والتسبيح.

كان الشعب القديم بحسب شريعة موسي التي هي وصيه الرب، يصوم مرة واحدة كل عام في يوم الكفارة. الذي فيه يقدم رئيس الكهنة الذبائح السنوية عنة وعن كل الشعب. وارتبط صوم ذلك اليوم بعدم العمل حيث التفرع للصوم وانتظار نتيجة تقديم رئيس الكهنة للذبائح. وكانت حاله الشعب متذلل امام الله بخشوع ووقار، وغير منشغل بشيء الا الصوم وانتظار انتهاء مراسيم التكفير.

لم يأمر الرب شعبة القديم بأصوام أخرى غير يوم الكفارة، لكن اليهود من أنفسهم أضافوا صوم أخر دوري مرتين في الأسبوع (لو18: 12). في اليوم الثاني والخامس من كل أسبوع، على اعتقاد أن موسي صعد الي الجبل لتلقي الشريعة في اليوم الخامس من الاسبوع، ونزل في اليوم الثاني من الأسبوع التالي. وبحسب اعتقادهم من كان يريد من الله جزاء خاص لحياته، فعلية بالصوم يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع. الذي كان فيه يبيضون وجوههم، ويرتدون ثياب بالية، ويتجولون في السوق المكتظ بالريفين البائعين وأيضا جمهور كبير من المتسوقين. ففي هذا اليومين كان أنسب وقت لعرض تقوهم المزيفة أمام الجميع، فكان الفريسيون كغالبية اليهود سائرين في طريق خطأ صنعوه بأنفسهم. 

كان الشعب القديم أيضا يصوم أصوام أخرى فردا اختياري لأجل أمر ما شخصي، او لأجل أمر شعبي، او صيام جماعي لأجل قضية شعبيه، وعندما يستجيب الرب يقف الصائم عن الصيام.

صيام فردا

صام داود اختيارياً من أجل الصبي الذي ولدته له بتشبع لأنه مريض لكيلا يموت، وكان الصوم مرتبط بلبس المسوح والتذلل (2صم12: 15- 18). لكن لم يستجب الرب ومات الولد، فتيقن داود أن الله رفع حمايته (موت الصبي) فقام داود من صومه وغير ثياب المسح ولبس لبسه الملكي واكل وشرب (2صم12: 23).

صام دانيال اختيارياً في السبي ومصلياً متضرعاً لابساً المسوح وجالس على الرماد، عندما فهم من كتاب النبي إرميا عدد سنين سبيهم وقد انتهت ولم يرجعوا الي موطنهم. وقد أقترن الصوم والتذلل بالصلاة وقراءة الكلمة المقدسة والتسبيح بتمجيد وتعظيم الرب الاله (دا9: 1- 19)، استجاب الرب وأرسل الملاك وتكلم معه وافهمه ماذا يعمل الله وما هي خطته المستقبلية.

أصوام جماعية

نادي يهوشافاط الملك الصالح بصوم جماعي مقترن بالصلاة، عندما آتي عليه بنو موآب وبنو عمون ومعهم العمونيون بجمهور كثير لمحاربته (2أخ20: 1- 13). وأيضا اقترن الصوم والصلاة بالتسبيح. وعندما سبح الشعب المصلي الصائم الغير قادر علي الحرب لأنه هزيل الجسم نتيجة الصوم، حارب الرب عنهم وانهزم الأعداء (1أخ20: 21: 22).

قاد عزرا الشعب الراجع من السبي في بابل للصوم والصلاة على نهر أهْوَا، للتذلل امام الرب لمعرفة الطريق المستقيم له وللأطفال وكل الممتلكات أثناء عودتهم (عز8: 21- 23).

قاد نحميا الذي رجع من السبي الشعب للصوم بالمسوح والتراب، من أجل التوبة والقرار بالانفصال عن الغرباء والعودة الي شريعة الرب وكان أيضا الصوم مقترن بالصلاة والتسبيح والحمد (نح9: 1- 3).

صام الشعب في أثناء السبي بالبكاء والنحيب أثناء ملك أحشويروش، من أجل أبطال قرار هامان عدو اليهود عموما ومردخاي ابن عم استير خصوصا الخاص بإبادتهم (أس:4: 3). وطلبت أستير من شعبها بالصوم ثلاث أيام بدون أكل ولا شرب، من أجلها عندما تدخل الي الملك بغير السنة، لتطلب من آجل ابصار الملك بقرار هامان لا إبادة اليهود شعبها. استجاب الرب وصنع عجباً نتيجة الصوم والصلاة فتم تكريم مردخاي علي يد هامان عدوة وعدو اليهود (أس6)، وتم صلبه عندما عرف الملك بتدبيره لا إبادة اليهود (إس7)، وتم تعين مردخاي أبن عم أستير مكانة الذي كتب مرسوم به يوقف مرسوم هامان (أس8).

الصوم والدعوة للتوبة

نادي يوئيل بصوم جماعي والتوبة والبكاء لكل سكان أرض إسرائيل، وحث الكهنة خدام الرب بلبس المسوح، لإنه قد امتنع عن بيت الرب التقدمة والسكيب. بسب ضربه الجراد الزاحف عليهم في أطوراه الأربعة. القمص، والزحاف، والغوغاء، والطيار. (يؤ1: 4). هذه الأرض التي كان له وعد الاثمار والاكثار، وذلك لحيدان الشعب عن طريق الرب. وكرر يوئيل الدعوة للرجوع الي الرب بالصوم والبكاء والنوح وتمزيق القلب لا الثياب أي التوبة الحقيقة (يؤ2: 12- 14). ونظراً لأهمية وخطورة الامر أخذ يوئيل خطوة عمليه فحث الشعب على البدء في الصوم بضرب البوق في صهيون مدينة الله، لكي يسمع كل غافل او متغافل! للبدء في الصوم وحث على حشد الشيوخ، والأطفال وراضعي الثدي، ويخرج العريس من مخدعه، والعروس من حجلتها. (أي توقف الحياة بجملتها والتفرغ للصوم والصلاة فقط، من الرضع حتى العريس والعروس لا استثناء) وأيضا يبكي الكهنة خدام الرب (قادة الشعب المسئولون الاولين من يتحملون مسئوليه ضلال الشعب لأنهم ضلوا) لكي يشفق الرب علي شعبه ويرحمهم. (يؤ2: 15: 17).

صوم مزيف لا يرضي الله

  صام الشعب قديما اصوام مزيفة بغرض ردي وأيضا بلا تقوى او قداسة، ففي إيام حكم الملك أخاب الشرير حاول شراء حقل نابوت اليزعيلي بفضة او بتعويض بديل له فرفض. (1مل21: 3) فأغتم الملك جداً فوبخته زوجته إيزابل الشريرة وقالت أأنت تحكم على إسرائيل، أنا اعطيك الكرم. وأرسلت الي شيوخ المدينة والاشراف لينادوا بصوم ويجلسوا نابوت اليزعيلي في الوسط واجلست رجلين اشرار في الوسط ليشهدوا علية بإنه جدف علي الله والملك، فرجموه ومات وورثت الحقل. (1مل21: 8- 16) ولكن قبح الامر في عيني الرب وأرسل اليه النبي إيليا ليسمعه القضاء على إثمه، ففي المكان الذي لحست الكلاب دم نابوت تلحس دم أخاب، ويجعل بيته لعنة كبيت يربعام بن نباط وبعشا بن أخيا، والكلاب تأكل إيزابل عند مترسة يزرعيل، ومن مات لأخاب في المدينة تأكله الكلاب، ومن مات في الحقل تأكله طيور السماء. (1مل21: 17- 25).

  عاتب الرب شعبه المنحرف الشرير على صيامهم المزيف اثناء وبعد السبي، فكان الصوم والاكل ليس للرب بل من أجل أنفسهم فلم يرتبط بالتذلل والتوبة والندم على الخطية (زك7: 5). فهذا الصوم لا يأتي بنتيجة فهو غير مقبول لدى الله ” 12 حِينَ يَصُومُونَ لاَ أَسْمَعُ صُرَاخَهُمْ، وَحِينَ يُصْعِدُونَ مُحْرَقَةً وَتَقْدِمَةً لاَ أَقْبَلُهُمْ، بَلْ بِالسَّيْفِ وَالْجُوعِ وَالْوَبَإِ أَنَا أُفْنِيهِمْ».” (أر 14: 12) وفي تجبر عاتب الشعب الرب لأنه صام ولم يلاحظ، فكان الجواب من الله انكم لا تتبعون الطريقة الصحيحة للصوم، ففي صومكم لا تتذللون بل تبتهجون، ولا تعتكفون بل تعملون، وتتخاصمون وتتنازعون وتتكلمون بكلمات الشر (أش58: 3)!  والسؤال الآن هل يقبل الله أي صوم؟ ولماذا نصوم؟ متى نصوم؟ وهل يوجد مفهوم صحيح للصوم يمكنا أن نقتدي به؟

أولاً لا يقبل الله أي صوم، لكن لابد أن تكون حياة المسيحي هي للرب ملكة بالكامل فليس لذاته، متمماً كل الوصايا، فمن يأكل أو لا يأكل (يصوم)، ومن يعيش او يموت، فلابد أن يكون للرب الذي اشتراه وليس لنفسه (رو14: 6- 8).

ثانياً الصوم الحقيقي الصحيح المقبول لدى الله، لابد ان يعبر عن حاله القلب التائب النادم عن الخطية المتذلل إمام الرب والا فقد قيمته. وبحسب إشعياء 58: 6، 7 فإن الصوم المقبول هو فرصة للحكم على الذات والنفس أثناء المثول أمام الله صائما، والعطاء باقتسام الطعام مع الآخرين الجائعين (إس58: 6، 7). وأيضا يقول الرب ان الشخص الصائم لا يعيش إثناء الصيام عابس الوجه، ليلفت نظر الناس بل ليكن وجهك مشرق مبتسم، لان الصوم هو للرب وليس لتعريف الأخرون أني صائم. كصيام الكتبة والفريسين (مت6: 16- 18).

ثالثا لماذا الصيام؟ يحتم الصيام على كل إنسان مسيحي مؤمن لإنه وصيه من الرب وهو تشريع إلهي، كما صيام يوم الكفارة (لا16: 29- 31)، وتدعو الكنيسة شعبها للصيام كما دعا الملوك والقادة والكهنة. مثل ما دعا يهوشفاط، وعزر، ونحميا، واستر، ويوئيل. الي الصيام والصلاة والتوبة (يؤ2: 12- 17). وتصوم الكنيسة قبل التحرك في الاختيارات الحاسمة لمعرفة مشيئة الله وماذا يريد الله، ففي أثناء صيام الكنيسة مع الصلاة، قال الروح القدس لبرنابا وبولس وللكنيسة، عن دعوتهما للذهاب الي خارج الكنيسة للكرازة (اع13: 3)، وأيضاً تصوم الكنيسة لان العريس (يسوع) ليس معها بجسده، لكنه صعد الي السماء بعدما أن اتما الفداء ولكنه معها بروحة القدوس وأيضاً ننتظر مجيئه ثانياً (مت9: 14، 15)؛ (لو5: 33، 35) ويصوم المؤمن المسيحي اختيارياً ليتقوى روحيا في حياته ولينتصر على العدو إبليس (مت19: 14).

ختاماً إن المفهوم الصحيح عن الصوم، ليس هو الامتناع عن الطعام والشراب فقط، بل هي حاله شعب او فرد تائب ومصلي ومتذلل امام الرب، فهذا الحالة تغير حياة الفرد والكنيسة، وتعمل على تغير في الأجواء الروحية من سيطرة العدو ابليس على المكان والأشخاص، وعلي الاذهان ومن داخل أجساد الناس.

أترككم فى ملء البركة والسلام.

الدكتور القس ماهر فضل الله/ ماجستير مشورة نفسية وراعى بمجمع كنائس النعمة